السبت، 22 سبتمبر 2012

"الاختلاف" بين فقه التنظير ومسيرة التطبيق





يقول الله تعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" ومن هذا المنطلق يشكل "الخلاف" و "التنوع الفكري" عصباً مهماً في حياة الكل الإنساني ، ومعيناً مهماً على تحقيق الفلاح الحضاري لكل المجتمعات ، فقياس "حيوية" أي مجتمع تتأتى بقياس مدى "التنوع" الفكري والفلسفي والسياسي والاجتماعي فيه ، ومقدرة المجتمع أو الحضارة على ضبط هذا التنوع وتوجيهه في مساره الصحيح حتى يكون عاملاً من عوامل البناء لا عاملاً من عوامل الهدم والتمزق .

وهذا هو بالضبط حال "مجتمع المدينة" الذي أسسه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، والذي كان يزخر بـ"التنوع" و "الاختلاف" و "الحرية" المجتمعية التي عبر عنها الخليفة السادس عمر بن عبد العزيز "ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن لنا رخصة " ، وصحيح أن شكل الحرية وكذلك الاختلاف لم يكن بذلك التعقيد الذي نعيشه الآن ، ولكن هذا يرجع لطبيعة المجتمع أنذاك وبساطته المعيشية والفكرية ، ولكن "أسس" التعدد وكذلك "فقه الاختلاف" من الممكن الاستدلال عليها إما بآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية أو بأفعال وتطبيقات الصحابة أو بتراث علماء الأمة الإسلامية .

والمحير في الأمر هو كم "التناقض" بين الفقه النظري وبين المسيرة التطبيقية فيما يتعلق بفقه "الاختلاف" ، فصحيح أن الكل سواء كان هذا الكل "مذهباً" أو "مجتمعاً" أو "طائفة" أو "شخوصاً" يسلم بأهمية "الاختلاف" وبضرورة "تطبيقه" و "احترامه" إلا أن الكثيرين عند التطبيق ينبذون كل المبادئ المتعلقة بهذا الصدد ، والتاريخ الإسلامي ليس استثناءً من هذا المرض ، فمثلاً رغم أن الإمام الشافعي قال مقولته الشهيرة "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غير خطأ يحتمل الصواب" إلا أن أتباعه تشددوا كثيراً في التعصب للمذهب وحاربوا بقية المذاهب بضراوة وخاصة المذهب الحنفي رغم أن الشافعي مدح أبو حنيفة قائلاً "الناس عيال عند أبي حنيفة" ، وكذلك الحال في الخلاف بين الأشاعرة والحنابلة حتى قال أشعري "ما بين شيوخ الحنابلة و بين اليهود إلا خصلة واحدة" والأمر ينسحب على بقية المذاهب والتيارات ، رغم أن رؤوس أو مؤسسي هذه المذاهب كانوا أكثر الناس احتراما لوجهات النظر المختلفة ، فالإمام الشافعي يقول "ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ" وكذلك أحمد بن حنبل كان يقول عن الشافعي "أحب الناس إلي" رغم "الخلاف" الشديد "والتعصب" الممقوت الذي حصل بين أتباع هذه المذاهب الأربعة .

والأمر نفسه حصل مع كبار المجددين وكبار العلماء ليس من قبل أعداء الأمة "الحقيقيين" بل من قبل أبناء الأمة ومذاهبها وعلمائها "المفترضين" فأبو حنيفة أتهم بالإلحاد تارة وبالزندقة تارة أخرى والشافعي أتهم بالتشيع وبالترفض وأحمد بن حنبل اتهم بالتجسيم وقلة العلم ، وكذلك الحال مع ابن حزم والسيوطي وأبو حيان التوحيدي وابن رشد والنسائي والأصفهاني وابن تيمية والذين إما قتلوا أو أحرقت كتبهم أو سجنوا ولوحقت أفكارهم وضيق عليهم كل مضيق .

والأمر لا يتوقف عند حدود هذه المذاهب الأربعة ، بل يتعداها ليصل بقية التيارات الفكرية والعقدية ، بين الأشاعرة والمعتزلة والسلفية وبين الشيعة والسنة وبين الأحزاب السياسية وبين أهل الحديث وأهل الرأي وبين الصوفية والوهابية وهكذا دواليك ، وإن كانت الأمة "تجاوزت" مرحلة التعصب المذهبي بين المذاهب الأربعة لأسباب موضوعية لا داعي لتفصيلها الآن ولكنها لم تتجاوز محطات أخرى مهمة جداً مثل التعصب السني الشيعي والوهابي الصوفي والسلفي والإخواني ، وكل هذه الخلافات التي لم تحترم بعضها وتطرفت في رأيها تسببت في زيادة "التمزق" و "التخلف" الموجود وباعدت بين الأمة ومسيرة "التقدم الحضاري" ، ذلك أن أي أمة في العالم كلما اقتربت من تحقيق فكرة التنوع وأبدعت غي فقه الاختلاف كلما اقتربت من قمة الحضارة أكثر فأكثر والعكس صحيح .

وأخيراً فإن "فقه الاختلاف" مرتبط تماماً بمبادئ وعوامل أخرى ، فعوامل النهضة الفكرية والاجتماعية والدولية مرتبطة ببعضها البعض ، ولا يمكن فصلها عن بعضها ، فالتجديد مثلاً هو ثمرة الاجتهاد ، وفقه الاختلاف هو ثمرة الحرية ، والتقدم التكنلوجي هو ثمرة العلم والهدوء الروحي هو ثمرة التدين ، فالاجتهاد والحرية والتجديد والعلم والدين كلها عوامل مرتبطة ومتظافرة لأبعد حد ، ولا يمكن فصلها عن بعضها ، ذلك أن فصل عامل من هذه العوامل سيتسبب في وجود أمراض خطيرة جداً قد تهدد وجود أي دولة أو جماعة ، فالإختلاف المصحوب بالتسامح يكون عادة "نعمة مشرقة" بينما ذلك الاختلاف المصحوب بـ"التعصب" يكون نقمة مظلمة ، فيجب علينا ان نتعلم كيف "نختلف" مع بعضنا البعض .

الجمعة، 14 سبتمبر 2012

كيف نفهم "الإساءة" للنبي محمد ؟





ربما تشكل حلقات "الإساءة" المتكررة للنبي صلى الله عليه وسلم وللإسلام عموماً إحدى أهم "معوقات" التواصل الإسلامي الغربي ، وأحد أهم الأسباب التي "تؤجج" نار الكراهية في نفوس الشعوب الإسلامية الممتدة في كل بقاع الأرض حتى تلك الجاليات المتواجدة في كل الدول الغربية ، وهذا يدعونا حقاً لإعادة النظر في كل دعوات التواصل والتقارب الحضاري وكذلك النظر إلى قضية "الحرية" وضوابطها ومشكلاتها خاصة فيما يتعلق بـ"مقدسات" الديانات الكبرى .

وحقيقة إن الغرب ليس كلاً واحداً في هذه القضية ، ولا يجب ادانته كاملاً فيما يتعلق بالفيلم المسيء الأخير أو بما سبقه ، ولذلك يجب وضع القضية في نطاقها الصحيح وفهم وضعية المجتمعات الغربية ونظمها السياسية وكيفية تعاملها مع هذه الأحداث وقبل ذلك دواعي بروز مثل هذه الإساءات وظروف تظافرها لكي نستطيع الخروج بعبر موضوعية تمكننا من التعامل "الصحيح" و "الحضاري" مع هذه الأزمة .

فالحرية الفكرية والعقدية والسياسية تشكل أهم مقومات تلك المجتمعات وتصبغها بشكلها الحضاري الذي تفتخر به الحضارة الغربية دائماً ، ولذلك فليس من المستغرب أبداً السماع عن ظواهر شاذة جداً في كل المجالات ، سواء على المستوى الإعلامي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الفكري أو حتى على المستوى الجنسي ، والفيلم المسيء الأخير والذي أشرف على انتاجه مجموعة من أقباط المهجر بقيادة موريس صادق لا يخرج عن هذا النطاق ، إذ أنه استغلال لمبدأ الحرية الممنوحة في تلك المجتمعات ، والأمر لا يقتصر على الإسلام فقط بل يتعداه لكافة الديانات والمعتقدات ، ولربما كانت الأفلام المسيئة للمسيحية ولعيسى عليه السلام ولله ذاته أكثر من تلك المسيئة للإسلام ، حتى على مستوى الروايات فمثلاً نجد "شيفرة دافنشي" لمؤلفها دان براون أحدثت هزة في صفوف الطوائف المسيحية حتى وصل الأمر للفاتيكان وصدرت دعوات لمنع طبع الرواية ولكن الأمر قوبل بالرفض بل ووصل الأمر لإنتاج فيلم سينمائي احترافي عن الرواية حصد الكثير من جوائز الأوسكار .

والأمر ينطبق على الفيلم المسيء الأخير وأي دعوة لمنع عرض الفيلم ستقابل بالرفض وذلك نظراً لدعوات مشابهة ، ورغم أن الفيلم سيء الإخراج والتمثيل ، ولربما لو عرض بدون ضجة لما شاهده أحد ولا أظن الذوق السليم يتقبل هكذا مشاهد حتى ذلك الذوق الغربي المتعطش لأحدث الأفلام إحكاماً سواء على مستوى الإخراج أو التمثيل أو الإثارات التلفزيونية .

ولذلك الحل يكمن من خلال الضغط السياسي والقانوني الذي يجب أن تفرضه الجاليات الإسلامية والأنظمة العربية بالتعاون مع الجمعيات الحقوقية لإصدار قوانين تمنع المساس بالمقدسات والرموز الدينية ، أو على الأقل إخضاع تلك الروايات والأفلام لمقص الحقيقة ، فقد يعرض فريق ما فيلماً معيناً يتناول ديانة من الديانات أو شخصية من الشخصيات من وجهة نظره هو وهذا أمر لا يمكن منعه أبداً ، ولكن يجب أن يستند لأبسط بديهيات الحقيقة والروايات التاريخية من مصادرها الأكيدة ، بعيداً عن "التأليف" و "الكذب" و "التدليس" ، وفي حالة المقدرة على اصدار هذه القوانين فسنكون بذلك قد قطعنا الطريق من أوله على كل من تسول له نفسه المساس بأي مقدس ديني وخاصة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

أما المظاهرات العفوية التي خرجت في أكثر من بلد عربي وإسلامي وترجمت لأعمال عنف خطيرة تمثلت في مقتل السفير الأمريكي وثلاثة موظفين في السفارة الأمريكية في ليبيا وكذلك المظاهرات واقتحام السفارة الأمريكية في مصر وتونس وانزال العلم الأمريكي وحرقه ، فيجب أن نفرق بين أحقية "المبدأ" والمتمثل في المظاهرات الغاضبة التي يجب أن تسمعها كل دول العالم ، وبين "العوارض" التي قد تلحق بهذا المبدأ مثل أعمال العنف والتي يجب ادانتها بكل قوة والتصدي لها بكل حزم .

 وحديث الكثيرين عن أن هذه المظاهرات تشوه صورة المسلمين تارة وتعطي قيمة وشهرة للفيلم المنتج تارة أخرى وتمتص طاقات الجماهير المسلمة تارة ثالثة فحديث فيه خطأ كبير ، ذلك أن صورة الإسلام نفسه مشوهة بشكل كبير في العالم الغربي إما بسبب نتاج تاريخ "دموي" بين العالم الإسلامي والعالم الغربي منذ أكثر من ألف سنة ، وإما بسبب الإعلام الغربي الذي يعمل على تشويه الإسلام والعالم الإسلامي والحركات الإسلامية والإعلام كما هو معلوم يشكل أهم المصادر في تشكيل "وعي" و "ثقافة" الشعوب الغربية ، بل إن ردة الفعل الشديدة على الإساءات المتكررة سيفتح الباب واسعاً أمام نخب المجتمعات الغربية للبحث حول جذور هذه المشكلة وفهمها جيداً وبالتأكيد أي محاولة حقيقية وجادة للوصول إلى الحقيقة هي في صالحنا أكثر مما هي في صالح "الأصوات المتطرفة" هنالك ، كما أن القول بأن المظاهرات ستعمل على شهرة "المغمورين" الذين يفتعلون هذه الإساءات ففيه إصابة للحقيقة في جوانب متعددة ، ولكن الحق أن الكثيرين تصدروا المشاهد بسبب "شذوذ" ما يقولون وما يطرحون ، ولو أن إعلامياً بسيطاً في أي بلد دعا لإبادة وطنه لسلطت عليه الأضواء وهذا يرجع للفطرة الإنسانية التي تهتم في كل شيء ، كما ان القانون والمبدأ لا يفرق بين "مغمور" و "مفكر" أو بين "جاهل" و "مثقف" بل ينطبق على الجميع .

والمظاهرات وحالات الغضب والانفعال الشديد يجب استغلالها جيداً وتوجيهها في الاتجاهات التي تفيد الأمة الإسلامية ، فالرد يجب أن يكون في اتجاهين كلٌ منهما يكمل الآخر ، اتجاه يتجه نحو شعوب العالم الإسلامي المتخلفة والتي تجهل أبسط مبادئ دينها واعادة تعريفها وتثقيفها بأمور دينها ، واتجاه ينطلق نحو العالم الغربي واعادة تبليغ الدين الإسلامي بشكله الحضاري والأخلاقي والإنساني لتلك المجتمعات ، فجانب الحرية الواسع هنالك يجب استغلاله جيداً ولقد ترجم هذا الأمر من خلال قيام جمعيات إسلامية بتوزيع الملايين من نسخ القرآن الكريم في بريطانيا والمانيا مع كتب تعريفية بالدين الإسلامي ، وهذا حقاً أجمل رد على تلك الإساءات ، لأن هذه الردود "الحضارية" تستغل حالة "الجهل" و "الاستغراب" الغربي بحجم الغضب على تلك الإساءات وتعطيه المواد التعريفية بالدين الإسلامي في الوقت المناسب ، حيث أنه وبدافع الفضول سيضطر لقراءة الإسلام من وجهة نظر أصحابه ومعتنقيه مما قد يساهم في تخفيف حدة "الكراهية" وكذلك "الجهل" المتجذر في نفوس وعقول تلك المجتمعات حول الإسلام .

أنا ميقن تماماً بان الاحتجاجات ستخمد وستنتهي بعد فترة من الزمن ربما لا تزيد عن أسبوعين أو ثلاثة ، ولكن آثار تلك التظاهرات والتحركات وما نتج عنها من قتل وأعمال عنف سيطرح أسئلة عميقة جداً داخل المجتمعات الغربية كمثل السؤال الذي أرق النخب الثقافية الأمريكية عشية أحداث سبتمبر "لماذا يكرهوننا" ، ولكن هذه المرة سيكون السؤال "لماذا يغضبون" ومسيرة البحث عن الإجابة من وجهة نظري ستكون نقطة ارتكاز مستقبلية في سياسة العالم الغربي حيال الشعوب الإسلامية وما يتعلق بمقدساتها ورموزها التاريخية والدينية .

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

دمٌ عـلـى الـسـلاح




اللغة التي يحبها هي السلاح فقط ، هو يقرأ كثيراً عن نظريات السياسة ومناوراتها وقيمتها في الحروب وحسم المعارك ، لكنه يصر دائماً على أن ذلك كله يأتي بعد أن ينطق السلاح كلمته ، فالسلاح هو آلة القوة ومفتاح الحسم وظهير الضعيف ، ويعتبر أن السياسة مفسدة لا لشيء إلا لأن بعض "الفُسَّاد" في هذا الوطن قد امتطوها لتبرير أي خيانة يرتكبونها في حق القضية .

فكيف سيكون الوضع بدون سلاح ؟ وبدون مقاومة ؟ وبدون انتفاضة ؟ وبدون ثورة ؟ بالتأكيد سيكون أسوء بكثير مما هو عليه الآن ، فيكفي أن تدرك إسرائيل أن ثمن أي مجزرة إسرائيلية هو تفجير باص في تل أبيب أو مقهى في حيفا أو مطعم في نتانيا أو أن يهرب مليون ونصف المليون إسرائيلي للملاجئ عندما يتهور جنرالات الجيش ويصعدون ضد القطاع ، كل هذه "الردات" تكفي لتردع إسرائيل حيناً من الزمن أو على الأقل تجعلها تدفع الثمن دائماً .

هذا هو حال ذلك الشخص المتكرر دائماً والموجود في كل مكان في قطاع غزة ، ينتشر ليلاً ونهاراً ويحرس الحدود والثغور على مدار الساعة ، كم هي طموحاته البعيدة والتي تبدأ بالنجاح الشخصي والمجتمعي ولا تنتهي إلا بتحرير فلسطين كلها ، أحلام الزواج والنجاح والحب وكذلك الشهادة كلها تجتمع في قلبه ووجدانه ، وهناك القرآن والمسجد وحلقات الذكر والتسبيح وقيام الليل وزكاء النفس والتفاني في الجهاد ، كلها معالم ترسم شخصيته الجميلة المنتشرة .

حياة صاخبة جداً ومليئة بالأحداث المتلاحقة عليه ، تعب الحياة ولقمة العيش وكذلك تعب الدراسة وألم فراق الأحبة الذي يقهر القلوب ويحطم أركانها ، لكن هو يؤكد أن أكثر الناس فخراً هم أصدقاء الشهيد ، فيكثر من تذكر تلك الذكريات الحبيبة ، يبكي أحياناً ويصمم على الثأر أحياناً أخرى ، تشكل معالم وجهه خليط من الأمل واليأس والفرح والحزن والبكاء والضحك ، كلها أشياء لا يفهمها في كثير من الأحيان فيتجاوزها دون فهم ملقياً مهمة "الفهم" على الأيام القادمة التي تحمل معها المزيد من كل شيء .

ثم تكون الخاتمة المتوقعة والمملة ولكنها الأجمل بالنسبة إليه ، إنها الشهادة في كل ميادينها وبكل ألوانها ومعانيها ، الشهادة بالصاروخ أو بالطلقة أو بالمواجهة المباشرة ، فيواجه بشجاعة منقطعة النظير ويضرب بقوة ويثخن الجراح ويناور حتى الرمق الأخير ، وأخيراً يسقط ، لا بل يرتقي ، ذلك أن الشهداء لا يسقطون أبداً هم يرتقون إلى الجنان عالياً ، يتمدد على الأرض المقدسة ، يجتمع الطهر والقداسة مع بعضهما البعض فينثر الدم كمسك الجراح يعبق الأرض رائحة وجمالاً ، يرحل هو ويبقى دمه على السلاح الذي كان رفيقه الأحب ، يبقى الدم شاهداً على أن هنالك من حمل السلاح يوماً وقاتل فيه بكل قوة ، ليذكر الجبناء أن هنالك من رفض "الجبن" و "الذل" و "الهوان" وانتفض بكل جوارحه وأركانه ليثأر ويقاوم ويحرر ويجاهد ، ومهما تكن النتيجة سيبقى البطل والفارس الأجمل والمعشوق والعاشق ... ويبقى الدم على السلاح ليؤكد لنا جميعاً أنه كان هناك يوماً بطل وسيبقى في كل وقت بطل .

"تجديد الدين" بين أهمية الهدف ومشاكل الواقع .




تطرح قضية التجديد على نطاق واسع جداً في مباحث الفكر والعمل الإسلامي ، ذلك أن التجديد هو ضرورة حضارية لازمة لبناء النهضة وتأسيس العقل والانطلاق في رحاب الحضارة الانسانية ، وخاصة أن "الدين" في واقعنا وتاريخنا ومستقبلنا أيضاً ليس شيئاً ثانوياً يمكن تجاوزه أو طرح أي مشروع نهضوي بدونه ، إنما الدين في المشرق هو "أساس" من أساسات الحياة والمكون الحقيقي لهوية الأمة وتاريخها ، وكان اللاعب الأبرز في كل الأحداث التي تعرضت لها سابقاً وحالياً ، وأي مشروع نهضوي وحضاري يجب أن تكون ركيزته الأساسية هي الدين الإسلامي أولاً وأخيراً .

لكن قضية "التجديد" هي الأخرى لم تسلم من "التشويه" ومن "الخلط" عند الكثير من التيارات الإسلامية وغير الإسلامية ، كما أن "التجديد" نفسه وإن كان حاضراً بقوة في خطاب كل الحركات الإسلامية إلا أن النظرة له تختلف من حركة لحركة ومن تيار لتيار ، فالتجديد مبني أساساً على فقه "الاجتهاد" وبدون هذا المطلب لن يكون هناك تجديد أساساً ، وكلاً من "التجديد" و "الاجتهاد" مكملان لبعضهما البعض وزوال أحدهما يعني زوال الآخر ، و "الاجتهاد" نفسه يعاني من مشكلة التجديد أيضاً سواء من حيث التشويه أو اختلاف النظر ، فهناك تيارات إسلامية تضع ضوابط كثيرة جداً عليه حتى تخرجه من مضمونه ، ويصبح الاجتهاد مرتكزاً فقط على أقوال السابقين واسقاطها على الوقائع المتجددة ، هذا أدى لتكبيل الاجتهاد مما يقود بالضرورة لإعاقة عملية التجديد الطبيعية ، فمحاربة "الاجتهادات" لدى كثير من المجددين والإصلاحيين تعني وجود "أزمة" حقيقية عند هذه التيارات تتمثل في كيفية "الفهم" الحقيقي للدين الإسلامي ، فإذا كان فهم الدين مشوهاً لهذه الدرجة عند هؤلاء فكيف هو الحال عند العامة وممن يحملون مواقف عدائية من الدين مثل "العلمانيين" و "الليبراليين" ؟ 

كما أن النظرة للتجديد تختلف من تيار لتيار ، فعند البعض تجديد الدين مرتكز على إحياء العبادات ودعوات الوعظ والارشاد ، بينما عند البعض الآخر يتمثل في احياء فقه "الجهاد" بينما عند البعض الاخر فإن التجديد يرتكز على "الفقه السياسي الشرعي" ، وهذا وإن كان محقاً في جانب من جوانب التجديد إلا أنه لا يقدم تصور متكامل عن التجديد والذي هو ثمرة "الاجتهاد" المستمر ، فالتجديد يشمل كل مباحث الدين الإسلامي واسقاطها على الواقع ، كما أن نظرة التيار "العلماني" هي الأخرى مشوهة تماماً ، حيث أنهم ينظرون للتجديد على أنه "إحلال" لثقافة محل ثقافة الأخرى ، و "طي" صفحة الفقه الشرعي الإسلامي بكامله ، واختراع فقه يستند لمفاهيم العصر وفق المفهوم والحضارة الغربية طبعاً وهذا خطأ .

إذ أن حركة التجديد "الحضاري" تتصل بثلاثة جوانب وهي جانب "الفهم" وجانب "التبليغ" وجانب "العمل" ، بينما تجديد "النصوص" توقف بعد أن أصبحت الرسالة المحمدية هي آخر الرسائل النبوية ، فالقرآن يقول " ولكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا" وهذا القول ينطبق على دعوات الأنبياء السابقين والذين كانوا يبعثون كل فترة فيجددون الدين ونصوصه ، بينما الأمر مختلف مع الإسلام ، ذلك أن نصوصه "خالدة" والتجديد يكون بإعادة فهمها لتناسب روح العصر واعادة تبليغها أيضاً واعادة العمل بها ، أو بمعنى آخر عبر عنه الشيخ عبد الله يوسف "وهو إعادة تأصيل للمسلمات بأفق أوسع، ونظرة أكثر عمقاً، وأكثر شمولية"

إذاً مشكلات التجديد تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية وهي :
أولاً : محاربة الاجتهاد والتجيير عليه ووضع الشروط المتكلفة عليه لإفراغه من مضمونه ، مما يؤدي لإعاقة عملية التجديد الطبيعية ، فالتجديد كما أسلفت هو ثمرة الاجتهاد ونتيجة حتمية له ، وبالنظر لكمية المحاربة الفكرية والعقدية لكثير من المجددين التاريخيين كأبو حنيفة وابن حزم وابن رشد والشافعي وابن تيمية أو المعاصرين كمحمد عبده والأفغاني وحسن البنا وفريد وجدي والقرضاوي وعدنان ابراهيم .
ثانياً : تحريف "مقصد" الاجتهاد وتشويه رسالته ، وهذا يكمن في الفهم "الافراطي" لقضية التجديد والفهم "التفريطي" ، أو بين الفهم "الجزئي" والفهم "المشوه" ، وهذا موجود عند الكثير من التيارات السلفية والعلمانية .
ثالثاً : ضعف الخطاب "التجديدي" الإسلامي عموماً ، والذي يتمحور في قوته وعظمته في مجال "التنظير" دونما العمل الجاد على بعث هذه النظريات لحيز التطبيق ، بينما تلك التي لم يكتمل التصور التجديدي الكامل لديها أو وجد ولكن بشكل ناقص قد حكمت وفشلت في تجاربها كأفغانستان أو السودان أو ايران أو الصومال أخيراً .

من خلال ما سبق يتبين لنا تماماً أهمية تجديد الدين لأنها تعبير جليٌ تماماً عن مدى "حركيته" و "تفاعله" الحضاري والفكري ، ومقدرته على الخروج من "الانحطاط" و "التخلف" إلى "الابداع" و "التحضر" ، وكذلك المشكلات التي تواجه قضية "التجديد" في واقعنا المعاصر التي تتنوع بين المحاربة تارة وانحراف الأهداف تارة أخرى وبين تشويه المقاصد تارة ثالثة ، وأنا لا أبالغ إذ قلت أن رسالة الأمم المتلاحقة في التاريخ الإسلامي هي في "التجديد" أولاً وأخيراً .