الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

دمٌ عـلـى الـسـلاح




اللغة التي يحبها هي السلاح فقط ، هو يقرأ كثيراً عن نظريات السياسة ومناوراتها وقيمتها في الحروب وحسم المعارك ، لكنه يصر دائماً على أن ذلك كله يأتي بعد أن ينطق السلاح كلمته ، فالسلاح هو آلة القوة ومفتاح الحسم وظهير الضعيف ، ويعتبر أن السياسة مفسدة لا لشيء إلا لأن بعض "الفُسَّاد" في هذا الوطن قد امتطوها لتبرير أي خيانة يرتكبونها في حق القضية .

فكيف سيكون الوضع بدون سلاح ؟ وبدون مقاومة ؟ وبدون انتفاضة ؟ وبدون ثورة ؟ بالتأكيد سيكون أسوء بكثير مما هو عليه الآن ، فيكفي أن تدرك إسرائيل أن ثمن أي مجزرة إسرائيلية هو تفجير باص في تل أبيب أو مقهى في حيفا أو مطعم في نتانيا أو أن يهرب مليون ونصف المليون إسرائيلي للملاجئ عندما يتهور جنرالات الجيش ويصعدون ضد القطاع ، كل هذه "الردات" تكفي لتردع إسرائيل حيناً من الزمن أو على الأقل تجعلها تدفع الثمن دائماً .

هذا هو حال ذلك الشخص المتكرر دائماً والموجود في كل مكان في قطاع غزة ، ينتشر ليلاً ونهاراً ويحرس الحدود والثغور على مدار الساعة ، كم هي طموحاته البعيدة والتي تبدأ بالنجاح الشخصي والمجتمعي ولا تنتهي إلا بتحرير فلسطين كلها ، أحلام الزواج والنجاح والحب وكذلك الشهادة كلها تجتمع في قلبه ووجدانه ، وهناك القرآن والمسجد وحلقات الذكر والتسبيح وقيام الليل وزكاء النفس والتفاني في الجهاد ، كلها معالم ترسم شخصيته الجميلة المنتشرة .

حياة صاخبة جداً ومليئة بالأحداث المتلاحقة عليه ، تعب الحياة ولقمة العيش وكذلك تعب الدراسة وألم فراق الأحبة الذي يقهر القلوب ويحطم أركانها ، لكن هو يؤكد أن أكثر الناس فخراً هم أصدقاء الشهيد ، فيكثر من تذكر تلك الذكريات الحبيبة ، يبكي أحياناً ويصمم على الثأر أحياناً أخرى ، تشكل معالم وجهه خليط من الأمل واليأس والفرح والحزن والبكاء والضحك ، كلها أشياء لا يفهمها في كثير من الأحيان فيتجاوزها دون فهم ملقياً مهمة "الفهم" على الأيام القادمة التي تحمل معها المزيد من كل شيء .

ثم تكون الخاتمة المتوقعة والمملة ولكنها الأجمل بالنسبة إليه ، إنها الشهادة في كل ميادينها وبكل ألوانها ومعانيها ، الشهادة بالصاروخ أو بالطلقة أو بالمواجهة المباشرة ، فيواجه بشجاعة منقطعة النظير ويضرب بقوة ويثخن الجراح ويناور حتى الرمق الأخير ، وأخيراً يسقط ، لا بل يرتقي ، ذلك أن الشهداء لا يسقطون أبداً هم يرتقون إلى الجنان عالياً ، يتمدد على الأرض المقدسة ، يجتمع الطهر والقداسة مع بعضهما البعض فينثر الدم كمسك الجراح يعبق الأرض رائحة وجمالاً ، يرحل هو ويبقى دمه على السلاح الذي كان رفيقه الأحب ، يبقى الدم شاهداً على أن هنالك من حمل السلاح يوماً وقاتل فيه بكل قوة ، ليذكر الجبناء أن هنالك من رفض "الجبن" و "الذل" و "الهوان" وانتفض بكل جوارحه وأركانه ليثأر ويقاوم ويحرر ويجاهد ، ومهما تكن النتيجة سيبقى البطل والفارس الأجمل والمعشوق والعاشق ... ويبقى الدم على السلاح ليؤكد لنا جميعاً أنه كان هناك يوماً بطل وسيبقى في كل وقت بطل .

"تجديد الدين" بين أهمية الهدف ومشاكل الواقع .




تطرح قضية التجديد على نطاق واسع جداً في مباحث الفكر والعمل الإسلامي ، ذلك أن التجديد هو ضرورة حضارية لازمة لبناء النهضة وتأسيس العقل والانطلاق في رحاب الحضارة الانسانية ، وخاصة أن "الدين" في واقعنا وتاريخنا ومستقبلنا أيضاً ليس شيئاً ثانوياً يمكن تجاوزه أو طرح أي مشروع نهضوي بدونه ، إنما الدين في المشرق هو "أساس" من أساسات الحياة والمكون الحقيقي لهوية الأمة وتاريخها ، وكان اللاعب الأبرز في كل الأحداث التي تعرضت لها سابقاً وحالياً ، وأي مشروع نهضوي وحضاري يجب أن تكون ركيزته الأساسية هي الدين الإسلامي أولاً وأخيراً .

لكن قضية "التجديد" هي الأخرى لم تسلم من "التشويه" ومن "الخلط" عند الكثير من التيارات الإسلامية وغير الإسلامية ، كما أن "التجديد" نفسه وإن كان حاضراً بقوة في خطاب كل الحركات الإسلامية إلا أن النظرة له تختلف من حركة لحركة ومن تيار لتيار ، فالتجديد مبني أساساً على فقه "الاجتهاد" وبدون هذا المطلب لن يكون هناك تجديد أساساً ، وكلاً من "التجديد" و "الاجتهاد" مكملان لبعضهما البعض وزوال أحدهما يعني زوال الآخر ، و "الاجتهاد" نفسه يعاني من مشكلة التجديد أيضاً سواء من حيث التشويه أو اختلاف النظر ، فهناك تيارات إسلامية تضع ضوابط كثيرة جداً عليه حتى تخرجه من مضمونه ، ويصبح الاجتهاد مرتكزاً فقط على أقوال السابقين واسقاطها على الوقائع المتجددة ، هذا أدى لتكبيل الاجتهاد مما يقود بالضرورة لإعاقة عملية التجديد الطبيعية ، فمحاربة "الاجتهادات" لدى كثير من المجددين والإصلاحيين تعني وجود "أزمة" حقيقية عند هذه التيارات تتمثل في كيفية "الفهم" الحقيقي للدين الإسلامي ، فإذا كان فهم الدين مشوهاً لهذه الدرجة عند هؤلاء فكيف هو الحال عند العامة وممن يحملون مواقف عدائية من الدين مثل "العلمانيين" و "الليبراليين" ؟ 

كما أن النظرة للتجديد تختلف من تيار لتيار ، فعند البعض تجديد الدين مرتكز على إحياء العبادات ودعوات الوعظ والارشاد ، بينما عند البعض الآخر يتمثل في احياء فقه "الجهاد" بينما عند البعض الاخر فإن التجديد يرتكز على "الفقه السياسي الشرعي" ، وهذا وإن كان محقاً في جانب من جوانب التجديد إلا أنه لا يقدم تصور متكامل عن التجديد والذي هو ثمرة "الاجتهاد" المستمر ، فالتجديد يشمل كل مباحث الدين الإسلامي واسقاطها على الواقع ، كما أن نظرة التيار "العلماني" هي الأخرى مشوهة تماماً ، حيث أنهم ينظرون للتجديد على أنه "إحلال" لثقافة محل ثقافة الأخرى ، و "طي" صفحة الفقه الشرعي الإسلامي بكامله ، واختراع فقه يستند لمفاهيم العصر وفق المفهوم والحضارة الغربية طبعاً وهذا خطأ .

إذ أن حركة التجديد "الحضاري" تتصل بثلاثة جوانب وهي جانب "الفهم" وجانب "التبليغ" وجانب "العمل" ، بينما تجديد "النصوص" توقف بعد أن أصبحت الرسالة المحمدية هي آخر الرسائل النبوية ، فالقرآن يقول " ولكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا" وهذا القول ينطبق على دعوات الأنبياء السابقين والذين كانوا يبعثون كل فترة فيجددون الدين ونصوصه ، بينما الأمر مختلف مع الإسلام ، ذلك أن نصوصه "خالدة" والتجديد يكون بإعادة فهمها لتناسب روح العصر واعادة تبليغها أيضاً واعادة العمل بها ، أو بمعنى آخر عبر عنه الشيخ عبد الله يوسف "وهو إعادة تأصيل للمسلمات بأفق أوسع، ونظرة أكثر عمقاً، وأكثر شمولية"

إذاً مشكلات التجديد تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية وهي :
أولاً : محاربة الاجتهاد والتجيير عليه ووضع الشروط المتكلفة عليه لإفراغه من مضمونه ، مما يؤدي لإعاقة عملية التجديد الطبيعية ، فالتجديد كما أسلفت هو ثمرة الاجتهاد ونتيجة حتمية له ، وبالنظر لكمية المحاربة الفكرية والعقدية لكثير من المجددين التاريخيين كأبو حنيفة وابن حزم وابن رشد والشافعي وابن تيمية أو المعاصرين كمحمد عبده والأفغاني وحسن البنا وفريد وجدي والقرضاوي وعدنان ابراهيم .
ثانياً : تحريف "مقصد" الاجتهاد وتشويه رسالته ، وهذا يكمن في الفهم "الافراطي" لقضية التجديد والفهم "التفريطي" ، أو بين الفهم "الجزئي" والفهم "المشوه" ، وهذا موجود عند الكثير من التيارات السلفية والعلمانية .
ثالثاً : ضعف الخطاب "التجديدي" الإسلامي عموماً ، والذي يتمحور في قوته وعظمته في مجال "التنظير" دونما العمل الجاد على بعث هذه النظريات لحيز التطبيق ، بينما تلك التي لم يكتمل التصور التجديدي الكامل لديها أو وجد ولكن بشكل ناقص قد حكمت وفشلت في تجاربها كأفغانستان أو السودان أو ايران أو الصومال أخيراً .

من خلال ما سبق يتبين لنا تماماً أهمية تجديد الدين لأنها تعبير جليٌ تماماً عن مدى "حركيته" و "تفاعله" الحضاري والفكري ، ومقدرته على الخروج من "الانحطاط" و "التخلف" إلى "الابداع" و "التحضر" ، وكذلك المشكلات التي تواجه قضية "التجديد" في واقعنا المعاصر التي تتنوع بين المحاربة تارة وانحراف الأهداف تارة أخرى وبين تشويه المقاصد تارة ثالثة ، وأنا لا أبالغ إذ قلت أن رسالة الأمم المتلاحقة في التاريخ الإسلامي هي في "التجديد" أولاً وأخيراً .

الاثنين، 10 سبتمبر 2012

في الحديث عن ظاهرة المفكر "عدنان ابراهيم"




لا ندري لماذا ما زلنا نتخبط في تعريفنا لـ"الآخر" ، ونتخبط في عدم مقدرتنا على صياغة "فقه جديد" يرتكز بشكل كبير جداً على "الحرية" و "الاجتهاد" ، فطريقة "الفكر" و "الاستنباط" هي طرائق تختلف من شخص لآخر وعليه فإن كل شخص عليه أن يحترم كيف "يفكر" الآخر وكيف ينظر للأمور ، ولكن للأسف الشديد فإننا كل يوم "نقتل" الحرية و "الاجتهاد" في النفوس ونفرض "ارهاباً" متعدد الألوان على كل من يتجرأ و "ينقض" القديم أو بعضاً منه ونفرض خطوطاً حمراء لا يجب تجاوزها أو المساس بها ، والحق أن هذا كله تكلف "ارهابي" على العقل والمنطق الإسلامي ، فحرية "الاجتهاد" مفتوحة على أوسع أبوابها بدون خطوط أو قيود من باب "من أصاب فله أجرين ، ومن أخطأ فله أجر واحد" .

الهزة التي أحدثها الدكتور المفكر عدنان ابراهيم في صفوف التيار الإسلامي عنيفة جداً ، ذلك أنه حاول أن يعيد "للعقل" مكانته الطبيعية بجوار النص ، وأن يعيد النظر في الكثير من الأحداث التاريخية التي شكلت "الوعي" الإسلامي لقرون من الزمن ، وأن يسلط الضوء على كثير من التناقضات التي اعترت الفكر الإسلامي وكبلته ووقفت عائقاً أمام مسيرة التجديد والتطوير .

ولا أدري ما هي "المآخذ" التي يأخذها أعداء هذا المفكر عليه ، سواء من حيث الطرح أو من حيث المنهج ، فالملامح الأساسية لمشروعه هي ملامح "المنهج الإسلامي" حقيقة ، وهي الأسس التي يجب أن يرتكز عليها أي تصور إسلامي عقلاني وصحيح للحياة ولمشكلاتها ، ومن أهم الخطوط العريضة للمشروع التجديدي الذي يطرحه الدكتور عدنان هي :
1) ضرورة اعادة النظر في بعض "المواقف" و "الصفحات" في تاريخنا الإسلامي وإلقاء الضوء عليها وخاصة أنها أثرت على الوعي الإسلامي وعلى "الفقه السياسي الشرعي" منذ أكثر من ألف عام .
2) ضرورة النظر أيضاً في الموروث الثقافي والشرعي وتمييز الصحيح من السقيم منه وخاصة فيما يتعلق بدائرة "الحديث الشريف" ، ذلك أن بعض الأحاديث يكتنفها الغموض وتتعارض إما مع أسس العقل أو مع "التصور الإسلامي" العام للحياة .
3) ضرورة "التعايش" بين طوائف المسلمين المختلفة ، والنظر بشكل آخر لهذه الطوائف بعيداً عن "حزازيات" الطائفية ، دون منع "النقد" و "المحاججة" و "المحاورة" وفق أسس صحيحة وسلمية .
4) التركيز على مبدأ "الحرية" في كل المجالات الحياتية ، واعادة "الاعتبار" اليه ، بعد قرون من التشويه و الاستبداد .
5) حل الكثير من مشكلات الحضارة الانسانية كـ"الالحاد" و "الاستبداد" و "والتخلف" و "الجهل" من وجهة نظر إسلامية عقلانية متماسكة جداً .

فأين هي "المآخذ" و "البدع" التي تكتنف تصور هذا الشخص ؟ وأين هي "الأفكار" التي أدت لإخراج هذا الرجل من الملة وفق تصورات بعض "الفقهاء" و "الكهنة" ؟

هل الموقف مثلاً من معاوية بن أبي سفيان يصلح كدليل على "نفاق" و "كفر" و "بدعية" الشخص ؟ وهل الدعوة لتجديد النظر في بعض الأحاديث أيضاً دلالة على شيء ما ؟ وهل من الممكن أن يحدد لنا أي شخص ما هي الأشياء التي تقبل الاجتهاد وتلك التي لا تقبل الاجتهاد ؟ 

إن الموقف "السلبي" من عدنان ابراهيم تشكل بشكل واضح من جزئية واحدة وهي موقفه من معاوية وبعض رفاق دربه ، دون النظر لباقي "الايجابيات" ومعالم التصور الصحيح الذي يصاحب منهجه ، وهذا يعني شيئاً واحداً وهو أن هناك بعض المدارس الاسلامية تنظر للفرع لا للأصل وتمارس ارهاباً جماعياً على المفكرين والمجتهدين ، وتشن حملات صاخبة لتكفيرهم وتبديعهم وتفسيقهم بحجج واهية وأحياناً بالخلط والتدليس وهذا تمثل في اتهام عدنان ابراهيم بأنه يقول "بتحريف القرآن" و "كفر عائشة" و أنه يطعن في البخاري ويمدح ياسر الحبيب ، وهذا الأمر ليس غريباً على هذه المدرسة والتي سبق وأن كفرت الشيخ أحمد ديدات واتهمته بأنه "قادياني" وقبل ذلك تم تكفير شيخ الإسلام بن تيمية وتفسيق الإمام ابن حزم واتهم امام الفقهاء أبو حنيفة بالالحاد ، فالحقيقة أن مصير "المصلحين" و "المجددين" في التاريخ الإسلامي مؤلم ويدعوا للحزن كثيراً ، صحيح أن من سنن التاريخ أن يواجه المصلحين والأنبياء بردات فعل عنيفة جداً من المجتمعات التي يعيشون فيها ، ولكن الأمر يجب أن يكون مختلفاً لدينا نحن المسلمين ، ذلك أن الإسلام وضع تصورات مبدأية تضمن حرية الاجتهاد لكل من وصل وحقق الكفاية من العلم الشرعي ، ولكن يبدوا أن "منابع" الإسلام الحقة قد تختلط بأدران "التصورات" البشرية الخاطئة كثيراً .

ولذلك –ورغم أني أختلف مع الشيخ عدنان ولي بعض الانتقادات عليه-  فأنا أفتخر بظاهرة عدنان ابراهيم كثيراً ، وأشعر بأنها "حلقة" من حلقات التجديد الحضاري وضرورة من ضروراته ، وأنه يصلح كنموذج قوي للشباب في مجال "التفقه" و "التفلسف" الحقيقي ، بعيداً عن النموذج التقليدي لنماذج العلماء والتي يقتصر علمها عادة على العلم الشرعي وحده دون النظر والتوسع في بقية العلوم الفلسفية والفكرية والثقافية الأخرى ، والتي من شأنها أن تزيد من تفاعل "العقل" مع "النص" فتتولد عمليات متجددة من التجديد والتصورات الإسلامية لكافة المشكلات المتجددة .

الأحد، 9 سبتمبر 2012

الخلاف "السني" "الشيعي" / ظلمة الواقع وأحلام التعايش (3/3)




مثلت قضية التعايش بين طوائف الأمة الإسلامية العقدية وتياراتها الفكرية حلماً جميلاً بالنسبة للبعض وكابوساً مقلقاً بالنسبة للبعض الآخر ، فهناك ممن يرتزق على فكرة "التطاحن" المذهبي ولا يدرك المقاصد العليا للدين الإسلامي والتي تعطي "وحدة المسلمين" شأناً عظيماً جداً ولا يستوعب فقه السياسة الشرعية ولا يعنيه ما قصد تجلبه فكرة التمزق والتشرذم والتحارب الداخلي من ويلات على كل الصعد والمستويات .

لكن الكثيرين ممن يتطلع نحو "التعايش" عجزوا عن وضع تصور منطقي ومتكامل حول هذه الفكرة الأخلاقية السامية ، وتجاوزوا الواقع الموجود نحو واقع طوباوي غير موجود ولا يمكن له أن يوجد طالما لم يتم حل مشكلات الواقع ، والمشكلة التي وقع بها هؤلاء أنهم أحياناً لم يفرقوا بين فكرة "التعايش" وبين فكرة "التمازج" فخلطوا بينهما وصور لهما أن التعايش يعني التمازج والانصهار المذهبي وهذا أمر لا يمكن له أن يوجد ، ذلك أن لكل مذهب تكونت تصورات تاريخية وعقدية متكاملة يصعب تجاوزها ، وتجاوزها يكون بانصهار أحد المذاهب ببعضها البعض وهذا أمر مستبعد تاريخياً إلا اذا قال عامل الزمن كلمته ، ففي الهند بعد سنوات الاحتراب الهندوسي الإسلامي تولدت فكرة في أذهان الكثيرين ترى ضرورة الجمع بين الدينين فتولدت الديانة السيخية والتي أصبحت متمايزة عن الهندوس والمسلمين ودخلت بدورها في حروب مع المسلمين والهندوس وزادت حالة التمزق التي عانت منها الهند في فترة من فتراتها ، والمشكلة الثانية كانت هي تجاوز "ظلمات الحاضر" وعدم الحديث عنها والإشارة اليها خوفاً من الاتهام بالطائفية والمذهبية ، مما أسقط مكانة هؤلاء من أعين العامة والذين رأو فيهم شخصيات ضعيفة لا تتمتع بالخصوصية الثقافية التي تفتخر بها أي طائفة .

إن مطلب التعايش الآن أصبح أمراً مهماً جداً يتطلبه "الواقع" وتفرضه "التحديات" المعاصرة ، ذلك لأسباب كثيرة نوجزها في الآتي :
1) استحالة اقصاء أي مذهب للآخر ، وخاصة أن تعداد أي من هذين المذهبين يبلغ عشرات بل ومئات الملايين منتشرين في كل بقعة من بقاع العالم .
2) تمتع كلاً من هذين المذهبين بـ"الأصالة التاريخية" أي القدم التاريخي الذي يوفر "القوة" و "المنهج" و "الأصول" .
3) سيطرة كل مذهب على دول قوية وذات تأثير اقليمي وذات مواقع جغرافية متميزة على النطاق الدولي ، فالشيعة تتمركز قوتهم في ايران ذات التاريخ الممتد والمكانة الاقليمية بينما السنة يمتلكون قوة البأس العربي سواء في مصر أو السعودية أو المغرب وباكستان وتركيا .
4) العمل على التخلص من إرث الماضي المؤلم وترقيع شقاق الأمة وتوحيد أجنحتها وذلك لمنع أي تدخلات خارجية تستغل هذا الوتر الطائفي فتعمل على تمزيق الدول الإسلامية ، فالشيعة يشكلون أقليات من الممكن أن تعمل على اثارة البلبلة والتمزق في حالة تعرضها للظلم وكذلك السنة يشكلون أقليات في دول شيعية من الممكن أن يفعلوا الأمر نفسه ، والمستفيد طبعاً هو المتربص الخارجي أولاً وأخيراً .

لكن الحقيقة أن الواقع الموجود مظلم تماماً من هذه الناحية وخاصة بعد تطورات العراق وسوريا والبحرين ولبنان ، فبريق الدم وسطوته قد يذهبان أي صوت للعقل والحكمة ، كما أن وجود دول قوية تتمتع بالمال والقوة تعمل على تغذية أتون الصراع من شأنه أن يزيد الأمر صعوبة كما هو حال السعودية وايران مثلاً ، كما أن فكرة التعايش تتطلب جهداً فكرياً وثقافياً واسعاً للتخلص من "رواسب" الحملات الاعلامية الطائفية التي حقنت النفوس وكذلك رواسب التاريخ السحيق التي تلقي ظلالها علينا في كل مرة ورواسب المواقف المخجلة في سوريا والبحرين والعراق ، وهذا يعني أن زمام الأمر في يد "النخب" الثقافية والتنظيمات الإسلامية ذات التأثير الشعبي وأخيراً في يد "الشعوب" التي يجب أن تعمل على ازالة أنظمتها المتواطئة التي تستفيد من حالة الشحن الطائفي لتبرير وجودها ، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، وعندما تتقارب الحكومات والأنظمة ستتقارب الشعوب ، حتى على مستوى المذهب الواحد في حالة تنافر الأنظمة تتنافر الشعوب تلقائياً كما هو الحال مع العراق والكويت ومصر والجزائر والمغرب والجزائر ، من وجهة نظري فأنا أعول تماماً على "الثورة السورية" في حالة نجاحها وأن تعمل على اعادة التوازن الطائفي في لبنان والعراق وفي داخلها أيضاً ، فوجود حالة من التوازن من شأنه أن يعزز فكرة "التعايش" ذلك أن هذه الفكرة قد لا تستجيب لنبل مقصدها بقدر استجابتها للواقع كما هو الحال مع دول أوروبا في حروبها الأهلية وبعد أن توصلت لعدم امكانية سحق أي دولة للآخرى أو السيطرة عليها كان الحل هو في التعايش والتقارب الحقيقي والتكتل السياسي والاقتصادي والدولي وتناسي كل آلام الماضي وتجاوزها والنظر بعين الاتزان للمستقبل .

إذاً ففكرة التعايش في هذا العصر صعبة ربما ولكنها ليست مستحيلة ، وقد يفرض الواقع أشياءً لا نريدها ولكنها أشياء وقتية يجب أن تزول بزوال مسبباتها ، وهذا التحدي يفرض مسؤوليات متبادلة ومكملة لبعضها البعض ، مسؤولية "النخب" و "العلماء" من ناحية ومسؤولية "الشعوب" من ناحية أخرى ومسؤولية "الأنظمة" من ناحية ثالثة .